فرغت من قراءة دنيا للكاتبة اللبنانية علوية صبح وأنا في أشد الحاجة إلى الصمت. احتجت إلى عدة ساعات من الصمت والوحدة كي أخرج من رأسي تلك الثرثرة الهامشية السارية وفق إيقاع سريع لايعرف التوقف. لا أعلم لماذا تذكرت نسوان الحواير وصباحاتهن المجبولة بالأحاديث المطولة التي تصدع الرؤوس، فشخصيات الرواية الفائضة عن حاجتها والتي يصل عددها إلى أكثر من 30 شخصية – دون ذكر آل الداير وآل يحيى بالطبع- تتراكم في مخيلة القارئ لتصبح صدى نمطياً مكروراً لايضيف إلى البناء الروائي أي خصوصية محددة الملامح.
كثيرة هي المرات التي أتوقف فيها مطولاً عند قرائتي لجملة أو فكرة ما في كتاب ما لكاتب ما، جملة واحدة تكفي لتثير شهيتي "للصفن" وتدفعني إلى الإعجاب بعبقرية الإبداع الإنساني وقدرته على استثارة العقل. لكن وعلى الرغم من أني أمضيت أكثر من 10 أيام في تقليب صفحات رواية دنيا إلا أنني لم أعثر على أي فسحة خاصة تحرض القارئ على التفكير بإبداع الكاتبة وقدرتها على التميز والاختلاف، اللهم سوى التوقف عند غنى قاموس مفرداتها الذي ألقى بظلاله على ماكتبت.
صفحات الكتاب تشبه كثيراً الدمية الروسية ماتروشكا التي تخفي داخلها دمية أخرى، فكلما استطعت استيعاب وبلع حكاية من حكايات الرواية المتراكمة عاجلتك علوية صبح بحكاية أخرى لتزيد من قوة التخبط الصاخب ولتعلو معه ثرثرة النسوة وأحاديثهن التي تدور بمعظمها في الفلك الحسي، وذلك بارتجال واضح وبلغة فجة أقرب من لغة "زعران" الشوارع منها إلى أحاديث النسوة العوام.
أقل ما يمكن قوله أن رواية دنيا تجعلك تؤمن بمبدأ "المختصر المفيد" حتى لو كنت من أنصار التفاصيل الصغيرة، وهي تستحق عن جدارة التصنيف تحت خانة أدب الثرثرة المحكومة بالسجن المؤبد داخل جدران الحرملك.
