11‏/12‏/2007

نور الهدى: كليوبترا لبنانية لاينقصها إلا التاج والعرش والحظ

مازلت إلى الآن ابتسم حين أتذكر وجه عمتي العجوز التي كانت تنظر إلى ثوبها المثير وكتفها العاري في أغنية ياجارة الوادي التي يعرضها برنامج "غداً نلتقي" وتقول "يخربيتك شو مشلطة". و"المشلطة" في اللهجة السورية تعني المرأة المستهترة أو الرخيصة، أما "المشلطة" بالنسبة لي فكانت لسنوات طويلة نور الهدى ذات الأداء الأسطوري والمقدرات الصوتية التي تصيبك بالدهشة. ولكونها المثال الأوضح على "ياما في الفن مظاليم"، فقد قررت اليوم أن أخصص هذه السطور لهذه "المشلطة".


في لبنان كانت تقفز فوق حواجز العادات والتقاليد، وفي مصر كانت تمشي على رؤوس أصابعها خوفاً من ألغام المنافسات. هذه هي درب الشوك التي زحفت فيها نور الهدى لمدة عشر سنوات وصولاً إلى عرش السينما المصرية الذي أبى إلا أن يتوج أحد الفراعنة. هي ألكسندرا بدران المولودة في تركيا لأب لبناني يعشق الطرب الأصيل من موشحات وأدوار. لم تتمكن من الغناء في لبنان لأن والدها رفض أن يترنح السكارى على حنجرة ابنته، فاتجهت إلى حلب لتتعرف على يوسف وهبي الذي حملها على هودج الفن أميرة أسطورية إلى مصر .


في القاهرة كانت نور الهدى صاروخاً فنياً يسير بسرعة الضوء واستطاعت ذات الوجه الحزين أن تحقق نجاحاً منقطع النظير في عشر سنوات، إلا أن بنادق الصيادين التي كانت تقف بالمرصاد للطيور المهاجرة من بلاد الشام أطلقت على نجاحها رصاصة النهاية. قد يقول أحد القائلين "حين عرفت الفشل لم تجد إلا الحسد وتوجيه اللوم لأقرب منافساتها أم كلثوم"، لكن الرسالة المفتوحة التي وجهتها نور الهدى إلى الرئيس عبد الناصر تدحض جميع الأقوال والأكاذيب بأنها كانت "دراما كوين" تشحذ تعاطف الجمهور، حيث كتبت في عام 1956 الى الرئيس المصري في رسالة تلقفتها وسائل الإعلام كصيد في الماء العكر حول العلاقة المميزة التي تجمع عبد الناصر مع كوكب الشرق "لماذا يا سيدي الرئيس يفرض عليّ أن أتوجه بكتاب إلى وزارة الداخلية في القاهرة لتوافق على منحي سمة الدخول إلى مصر؟". بالطبع لم يجلس عبد الناصر من فوره ليخط لها الرد أو لعله لم يرفع التلفون ليمنع عنها المنع ودخول مصر، فما كان منها إلا أن عادت حزينة إلى بيتها لتغلق عليها الباب وتصمت.


نور الهدى تجربة كلاسكية مغرقة في القدم وهنا مكمن ضعفها، إذ أنها لم تجد من يروي ظمأها للألحان العتيقة عندما صفقت القاهرة أبوابها في وجهها. ولعل توجه الرحابنة التحديثي والتجديدي في الموسيقي العربية لم يلبي طموحاتها فقررت أن تصمت وترفع لافتة مكتوب عليها "أقلعت عن الحلم".
الآن وبعد مرور 51 عاماً على صدور قرار التعتيم على أعمالها الفنية في مصر، أظنه حان الوقت لنفتح الباب وندع صوت نور الهدى يدخل إلى بيتنا ويجلس بيننا بعد أن وقف على بابنا طويلاً وبيده طلب استرحام.

09‏/12‏/2007

أسمهان: الأميرة أبداً

لا أذكر متي سمعتها لأول مرة لكنني أتذكر تماماً الحلاق العجوز في حارتنا الذي كان يقول أن لها صوت الألماس حين يتكسر. مازال هذا التشبيه البليغ يرن في رأسي على الرغم من أنني لغاية الآن لم أسمع صوت الألماس حين يتكسر- ينبغي لي أن أرى الألماس أولاً.


أسمهان صاحبة أكبر صوت في تاريخ الغناء العربي من حيث الخامة، فمساحة الصوت ورنينه الخاص وقدرته على التطبع لاتضاهى. مساحة صوت أسمهان تمتد إلى أكثر من ديوانين، أي ما يوازي أكثر من خمس عشرة درجة على السلم الموسيقي، كما أن لصوتها ميزة التطويع والتطبع مما جعلها قادرة على أداء الغناء الأوبرالي "صوت الرأس" والغناء الشرقي لنوتات الوسط والقرارات "صوت الصدر"، أما بالنسبة للرنين فلا نقول إلا أنه يمكن لأي مستمع بسيط تمييز صوت أسمهان عن صوت أي مطربة أخرى.

أسمهان أقحوانة استطاعت أن تتفتح في ثلاثينيات القرن العشرين، أي في زمن شهرزادات الغناء العربي من أمثال أم كلثوم وفتحية أحمد ومنيرة المهدية. ولو قدر لهذه الساحرة أن تعيش أكثر من أعوامها الستة والعشرين، لكانت احتلت حيزًا أكبر من الذي تحتله الآن في قلوب وذاكرة الشعوب. وعلى الرغم من أن بعض النقاد يعيبون عليها طريقة لفظها لبعض الكلمات ومخارج الحروف مثل حرف الراء إلى جانب نخبويتها الواضحة في إنتقاء الألحان، إلا أن هذه المطربة المضادة للجاذبية قادرة على أن تحلق بالمستمع إلى سماء أخرى غير السماء الزرقاء التي فوق رؤوسنا.


06‏/12‏/2007

هو: وافترقنا

مئة عام من العزلة صارت حكاية قديمة بالنسبة لها، وسوف تتجرأ اليوم وتتصل بالراديو وتغير صوتها وتسأل الطبيب الضيف أسئلة محرجة على الهواء.. بعناد حقيقي ابتلع ريقي ولا أقول اخرسي فالسجن مازال يقف بيني وبينها.. أنا رجل مثل كل الرجال وسأحاول من اليوم أن أكون أكثر رومانسية. سوف أصحو في الليل وأشعل المصباح لأحفظ قصائد الدمشقي عن ظهر قلب وأنا أمسك بيدي أوراقي الثبوتية، وحتما لن أنسى أن أبصق على النص الإيدلوجي الملتزم قبل أن أعود واندس في الفراش .. لقد قررت من اليوم أن أقرض الشعر لأن كل العشاق العظام كانوا شعراء، وها أنا اليوم أكتب قصائد ممجوجة عن اللوز والتين وأتعلم في مدرسة الحب كيف يكون الحب حباً!! لكنك حين ستقرأين ماكتبت لن تفرحي ولن تصفقي بيديك الصغيرتين وتقولي كعادتك "جينيال"، مسموح لك فقط أن تتألمي وتبكي بأسف واضح حين ستفتحين دفتري العتيق لتنظري في الصفحة ذاتها حيث كتبت قصيدة سخيفة عنوانها "الحب المتسامي"

عند استدارة الخشب، في طرف السرير بالضبط، سأحاول أن أسرق أطفالي من رحمها في ليالي 1994 ولن أستمع إلى توسلات جسدي الذي لن يتوقف عن الارتجاف .. جلدي الموشى بالعلامات يفر مذعورا في كل اتجاه، ومليون جيفة معلق في إبهام قدمها كلمة "توتسي" تعرض على شبكات التلفزة العالمية، وأبوعمار على الميكرفون يخطب عن حق العودة والمرتكزات والثوابت الوطنية .. لربما انسحبت خجولا في تلك الليالي لأقرفص في زاوية قلبي وعلى عنقي قبلات محبطة، ولعلها أشاحت بنظرها نحو الحائط وهي ترغب كثيرا في أن تقول "أنت إنسان نكدي وغير رومانسي بالمرة"

كان لابد لسذاجة "النسوان" أن تطفو على السطح فتبدأ بأكياس الشاي على العيون وأقنعة الحليب على الوجه. وسوف تتحامق أكثر فتصيح بوجه أمي " ابنك يا خانم مهزوز ولازملو طبيب أعصاب شاطر" ... بعدها بشهور ستتحجب وتكسر زجاجات الويسكي في الحمام وتقرأ في كتب صوفية تحملها تحت إبطها. وإذا عزمت صديقاتها على فنجان قهوة سوف لن تتأثر وهي تخبرهم عن الذي سحبوه من فراشه قبل الفجر، وحين سأمسك يدها التي تعففت مؤخرا عن مصافحة الرجال سوف تفلتها من يدي في المطبخ وهي تقول لي و"هلأ شو المطلوب مني بالضبط؟؟"

كيف أصفعها و"صفناتها" الطويلة أمام محلات الدمى تطلق على رصاصات كثيرة في الوجه؟ وكيف أضمها ونظراتها تسحبني من شعري ذليلا لأباع في سوق الرجال بخمسة قروش؟ وكيف سيكون لنا أن نفترق وهي التي في هذه الليلة لن تفتعل المشاكل ولن تكلمني عن أصلي وفصلي وعن "خريجين الحبوس" والشيوعية.. سوف تطفئ النور وتتكوم بين ذراعي كحمامة مبلولة، ولسوف يأتيها في المنامات عصفوراً دورياً بحجم راحة اليد يزقزق في صباحاتها

المتطفلون قابلوني في الشارع وسألوني "عدم المؤاخذة، العيب منك ولا منها؟".. لعلهم لم يروا أصابعي تتمرن على فك أزرار البيجامة، ولربما لم ينصتوا للنشيج الصادر من الغرفة المستعصية على أحلامها.. هي وحدها صارت تراني كالنبات، وأحياناً أخرى جديرا بالإذلال، فمن ألبسها في رجلها حذاء السجان لتظن أنني بهيمة تستحق الرفس؟ وأنا الذي لو تعريت أمامها الآن فلن ترى صدري الذي تعلوه السنابل، سوف ترى فقط صحراء قاحلة وبعضا من التضاريس، لاهي حفر ولا أخاديد، بل ندوب متفرقة من حادث سياسة قديم

وأنا مستلق على قفاي كفارس كسيح رأسي لن يقول لي انعس، لكني حين سأتشقلب وأخبئ وجهي في مخدتي وأجد تحتها ورقة مكتوب فيها "أعطني خريطة شرايينك لعلي وجدت يوما الطريق إلى قلبك" سوف أتأبط جسدي ويرعف أنفي وتدوسني الأحذية
وعندما سترقدين أنتِ بقربي معتقدة أن الذي بقلبي ليس حبك، سيغافلني الهم ويجثم على صدري في العتمة، وسوف أستيقظ في الليل فزعاً فأحتضنك ولربما ينهكني البكاء فأغفو على بطنك

05‏/12‏/2007

هي: انتظار

لم أعرف وأنا جالسة أحصي خيباتي أن فمي هذا الذي لم تقبله إلا أمي سيكون عصياً على الكلام لهذه الدرجة... سأحفر بئرا عميقة داخل ظلام جسدي وأرمي فيها سرنا وانتظر لأسمع صوت الارتطام.. أنا اليوم باكية وأسأل نفسي أسئلة وجدانية عن هذا الرجل الذي يدعونه عريسي، هل يريدني حقاً؟ أنا اليوم أميرة ويحق لي أن أفرح مثل كل البنات .. لكنه في هذه الليلة لن يقول تعالي و لن أرفع عيني باتجاهه وأنا أفك شعري المصفف بالفكستور.. سوف يدخن وهو جالس يهز ركبته، وسوف أدخل الحمام لأخلع ثوب الزفاف الأبيض وأندس في الفراش قبل أن تأتي أمي في الصباح وتترك على فخذي قرصات وفي أذني كلمات ماجنة.

هو يعرف كيف يجادل وكيف يناقش وكيف يسفه من آراء الآخرين، وبعد أن يطردنا أبوه الذي كان يتحدث عن فضائل يوم الجمعة سوف يجذبني من يدي لنخرج ويلفحنا الهواء في الشارع.. "هذه السلطة الأبوية ماهي إلا نموذج للمجتمع الأكبر الذي يحكم اشتغال النسق العام " .. سوف ينظر إلي ويبتلع ريقه ويتابع .. "هذه السلطة الأبوية التي تفتحين عينيك للنور وأنت تحت حذائها تمارس علينا التدجين والإدماج لصنع أجساد تدمن المسايرة والمداهنة".. لعلي سأفهم من كلامه أن الدنيا ظالمة وأن كثيراً من الأشياء غير عادلة وغير إنسانية، وسوف أرتبك واتلعثم وأرغب في أن أقول له مثلاً "ربما ستمطر!!" ... قد أحكي له عن إعجابي الكبير بكلماته التي لا أفهم منها سوى القليل أو أن أعبر بشفتي عن أشياء تجعله يضمني أو يشتهيني.. كلمات مثل تلك التي تقولها الساقطات فينتهي الرجال في فراشهن... لكنني أنا التي بلا ساقين جميلتين وبلا صدر نافر سوف أطرق وجهي بأسى في الأسفلت الذي يذكرني برصيف قلبي الموحل، وسوف يشبك هو ذراعه بذراعي ونحن عائدين إلى البيت كزوجين سعيدين.

أكره هذا المساء الذي يسمعني على الباب طرطقة جسدها الهزيل.. سوف تأتي بشعرها المشدود إلى الوراء بقوس البلاستيك والبكل السوداء. وحين سيرحب بها ستنظر إلي وتمرر يدها على صدغها بطريقة مثيرة للشفقة وتقول بفحيحها المعتاد "كيفك مدام؟" .. هل يعرف أني أقرض لحم خدودي كلما جاءت هنا لتدخن معه وتفتح الكتب؟ لماذا يحرقني كالشمعة وأنا لم أفعل له شيئاً؟ أعرف بالضبط ماسيحدث لو فتحت عليهما الباب.. سيقول رفيقة عتيقة وقد قاست كثيراً، ولعلي سأكتفي بالصمت حين يصرخ في وجهي بيأس واضح "حاولي لمرة واحدة في حياتك تستوعبيني".

أمه ستأتي اليوم وتجلس بجانب التلفاز وتقص على مسامعي حكايا الدكتورة التي تفعل العجائب وأنا صامته. سوف تخبرني عن الحمل الذي تأخر بما فيه الكفاية وكيف أنها غير مستعدة للانتظار أكثر. هل سأقول لها أن الرجل الذي أنجبته ليس قادراً على التوحد لا معي ولا مع غيري؟ هل أحكي لها عن صهيل جسدي وعن رحمي الذي أنهكه الانتظار؟..
لن أنام الليلة، سأشبك يدي على صدري وأنتظر قلبي الذي سيعود قتيلاً على جواده .. وفي المنام سوف أقف عارية تحت السماء الحمراء بلون الدم وأتمنى شيئاً في هذا الكيس الذي في بطني.. نهودي المقطوعة ترتعش على أغصان التفاح والحبر الأحمر يفور من صدري كنبيذ الكروم.. وحين تمر الشهب المحترقة في السماء وعيوني ما زالت تتقيأ الدموع سأهب من فراشي لأمسك دفتره العتيق الذي يخط فيه هلوساته وأترك له على الحاشية:
كل شجر ماتحمل غصونو ثمر يزهي الحدايق
قطعوا أولى وتشتعل فيه الحرايق

قالوا: ربك هو ملاذ كل يائس ولابد لك أن تدقي بابه، وكان الشيخ في الجامع يتربع في الطابق التحتاني والنسوة المتلفحات بالسواد يرسلن أسئلتهن بقصاصات الورق... ركضت كالمذعورة لأتوب.. لأجزع وأنا أتذكر أول يوم أفطرته وأول غُسل أجلته وأول صلاه تركتها... لعلي أنتحبت كثيرا وأنا أقرأ أشعار رابعة العدوية في العشق الإلهي .. كان حبها خالصا وهي تقول: ياطبيب القلب ياكل المنى ..... جد بوصل منك يشفي مهجتي
قد هجرت الخلق جميعاً أرتجي .... منك وصلاً فهل أقضي أمنيتي
لكن المسير خلف رابعة في العتمة كان صعبا، لأن الحب يحتاج إلى قلب، وقلبي أنا أكلته الديدان التي مرت على جيفتي المتحللة وأنا أنتظر.. هل أخمش الحيطان بأظافري وأنا أكتب اسم طفلي الذي أنتقي له كل يوم اسما جديدا؟؟ . شقوق المنزل تتكاثر كالجراد فوق جسدي الذي نهشته الرغبات وذراعي المشتاقتين لضم أي شيئ.. أراه في حضن أمي فأقبل أصابع أرجله الزهرية في اللفائف.. أسمعه يناغي ويبكي وحيدا في الشتاء فتشب في كبدي النيران وتحترق جدائلي .

بين ثلاثة أبواب هي الصمت والحرمان والهجران، سوف أنتقي واحداً وأنا مستعدة لمغامرة كبرى بحجم حسرتي.. سوف أسمع الموسيقى الأخيرة تناديني من الأعماق كما تسمعها أسماك السلمون، وسوف يحين الوقت لأمرر يدي على أشيائي الصغيرة ونحن نتوادع.. أحلامي التي في مخدتي، شرشفي الذي لم يتلوث بالبقع، وقلبي هذا الذي سأتركه أمانة في عنقه.

أنا الآن حرة بدون اشتياق لمواعيد الفراش الذي ننام فيه صامتين حتى الفجر .. قولوا له أني صفقت الأبواب من ورائي ولي بذمته كلمات حب وبضعة أحلام يجب أن يعيدها .. لا أعلم ماذا ابتعلت .. "سريع" أو غيره .. لايهم الآن ..

في الغرفة البيضاء أمي تزحف إلى جسدي المسجى لتبكي عليه بمرارة .. .. لحمي اسفنجة تمتص الرذاذ وعلي جلدي الملح وفي رأسي النشيج. وبين الساعة الواحدة والثالثة ظهراً سوف يطلق الجهاز الذي بجانبي بيب متواصلة وسوف يوجعني الفتق الذي في ظهري كثيرا قبل أن ينبت لي جناحات وأطير.

03‏/12‏/2007

أمي صقرة

المشهد الأول

أمي التي تتوجع من ركلاتي تروح جيئة وذهاباً في الممر المضاء باللمبة البرتقالية التي تشبه كثيرا لمبات السجون. أبي اضطررت للاعتقاد أنه نائم من شدة التعب، لأن تسعة أشهر وراء جدران الرحم أصابتني بالعمى فلم أستطع رؤيته يفترش الأرض "مسطولا" من شدة السكر. لسانها الذي في فمها لن يتخاذل ويقول استيقظ عند الساعة الرابعة فجرا بالتوقيت الشتوي، لذا واصلت نضالها المحموم بشجاعة حتى آخر قطرة عرق ودم. كان لابد لي أن أنزلق ذلك الصباح باتجاه كنبة الضيوف التي غطتها بمفرش المائدة، بشفاه زرق ووجه منتقع بماء الخلاص، مرتجفا ومثيرا للاشمئزاز كما هي الدنيا في عبوسها
المشهد الثاني
لا أستطيع أن أرى وجهها لأنها أجبرتني على الوقوف باتجاه الحائط بعد أن ناديتها ماما أمام الطلاب. محاولاتي المستميتة لرفع رجلي بعد مرور عشر دقائق تبوء بالفشل، فتتعالى ضحكات الأطفال وأسقط بالقرب من سلة المهملات المليئة بالأوراق الممزقة وبقايا سنتدويتشات الزعتر والبصاق اليوم سوف تتوسع دوائر الدمع في بحيرتي وسأغرق غافيا من شدة الإرهاق، هناك في مكاني المفضل تحت طاولة السفرة. في الصباح سيشمت الأولاد كثيرا إذا رأوني من دون شرائط ملونة على كتف الصدرية، وبعد أن يحاصر الصبيان الأشقياء ابن المديرة ويغنوا "قفز الأرنب خاف الأرنب" سأعود راكضا إلى المنزل لأفتح دفتري المغطى بورق كحلي وتجليد أبيض سميك وأكتب في الصفحة الأخيرة في المساحة البيضاء الناجية من لعبة الخمسات: ماما أنا أحبك كثيرا، لماذا لاتحبيني؟
المشهد الثالث
حر فظيع يخنق الأنفاس وكراهيتي للعنف الذكوري لم تترك لي مجالا للاستمتاع بهذا المعسكر الجامعي. أمي واقفة هناك على السورغريبة بين الملاءات السود ووجوه النسوة الباكيات. قدماها متورمتان ولن ألحظ أنها أتت ماشية كل تلك المسافة بعد مشاجرة سريعة ويمين طلاق واحد وعبارة "بلطي البحر مافي سيارة". لم تقل حرفا ولم تذرف دمعا، بل حضنتي كصقرة ودفعت إلي بحقيبة ثقيلة تفوح برائحة الأرغفة. في المنامات أرى أنني أعود إلى تلك السبعة كيلومترات التي قطعتها سيرا على الأقدام فأشمشم آثار خطواتها كالكلاب.. أمسح حزنها من على الطرقات واحتضن الأشجار التي اتكأت عليها
المشهد الرابع
كان الوقت ليلا حين أتت به عمتي سميحة بعد ثلاث سنوات وأجلسته في غرفة الضيوف. أسمع طرقه على باب الغرفة فأترك الجثة التي أعتني بها وأخرج له وجهي وأقول بأسى "لاتريد أن تراك".. سوف يعود مرة أخرى ويجلس في المطبخ ليطرق رأسه وينتحب وسميحة تقبل أقدامه وتقول "أبوس رجليك يا أخي إنها تنازع".. .. سوف يمسح دموعه بأكمامه ويتهدج صوته وهو يقول: خلص مادام هيك بدها أنتِ طالق .. طالق.. طالق حل السكون وسكت الكون فنامي يا صقرة .. نامي وغطي في الأحلام، غدا تستيقظين وقد أصبحت حرة وبجناحين .. لم تعودي لامعلقة ولامطلقة ... سنعطيكي في المرة الأخرى رجلا آخر بقلب آخر فعلميه كيف يكون الحب حبا.. نامي الآن فلقد عشت عمرا ساذجا تعتقدين فيه أن هنالك محابس يضعونها في الأصابع تستحق كل ذلك التفاني
المشهد ماقبل الأخير
أمي التي تأبطت ذراع السرطان ومضت لم تلتفت وراءها. كانت مهزومة شر هزيمة، والخط الأحمر الذي تراه خلفها هو نزيف أحشائها المثخنة بجراح معركتها الأخيرة .. . أغلقت عليها باب القبر ونقشت الفاتحة واسمها على حجر الصوان وزحزحته بصعوبة ليستقر على قلبي
في الشهور الأولى لم استطع أن أغفو ودمي ينام وحيدا في العراء، إلا أن انقلاب الفصول جعلها في حياتي كالقمر تظهر في ليال وتختفي في أخريات
المشهد الأخير
شباكي مشرع للحياة والهواء يلعب بستائري الناعسة. أقلب الأيام برفقة التبغ وأنا أُخرج من الصندوق الخشبي صوراً قديمة لخريجات كلية التجارة سنة 1966، وميدالية ذهبية في بطولة الجمهورية المتحدة لريشة السيدات، وشهادة تقدير متأخرة من نقابة المعلمين، وقطعة ورق من دون عنوان مكتوب فيها: خالو العزيز، اليوم رجعت ماما عالبيت والبابا وعدها قدام عميمة سميحة أنو يبطل شرب كازوز أبيض.. أنا كتير فرحان وياريت ما تنسى الأتاري اللي وعدتني فيه إذا نجحت عالصف الرابع بتفوق.. سلاماتي وقبلاتي الحارة أطبعها على خد أحلى خال في العالم.. ملاحظة: أرجو منك يا خالو ما تحكي لحدى على قصة الكازوز لأنو ماما قالت هادا سر.. كان جاي عبالي هالسنة روح على نادي الكاراتيه بس حاسس إنو لازم خليها للصيفية أحسن، أنت شو رأيك؟
سوف أدفع بيدي حراب الذاكرة المصوبة إلى صدري وأنعس، لكن قبل أن أغفو تماما سوف يسقط القمر في فراشي ليلا من نافذتي المفتوحة فابتسم قبل أن أعانقه وأنام في حجره حتى الصباح

01‏/12‏/2007

أنا سلمى

وضعتني زبيدة وفي فمي ملعقة من ذهب ومازالت شفتاي إلى الآن تبحثان عن ثدي يلقمون به الأطفال الفقراء. أمي زبيدة خانم سيدة غريبة الأطوار ترتدي جاكيت الصوف في عز الصيف ، وتختفي عن أنظار أبي في بساتين الفلاحين الذين تحتقرهم كثيرا
وضعتني في ليلة مقمرة وهي ترتدي جاكيت الصوف ذاته، عرقها الغزير يسرح على سريرها الأبيض وهي تتلوى من الألم، إنها هادئة الآن وتنتحب بصمت، لا بد أنها عرفت أن رحمها لفظ أنثى
تدمع عينا جدتي الضريرة وهي تسمعني أعوي من الجوع مثل جرو صغير، ستصفق يدا بيد وتحوقل، ومن ثم تدعي عليها، فتركض خادمتي لتعصر في فمي بقايا صدرها الجاف. أرغب بالإمساك بهذا الثدي بأظافري، هل يمكنني أن أعصره أكوابا من الحليب والحب؟
أرغب في تقبيله بشدة، لكن يداي الصغيرتان لن تستطيعا الإمساك سوى بتطريزات الناموسية التي وضعها أبي على سريري، وذلك بعد أن أعوي قليلا كالكلاب وبعد أن يسقوني ماء الخشخاش ليخرس صوتي حتى الصباح
الداية أم النور كانت نذيرة شؤمي، شهقت شهقة خافتة ثم خبطت على صدرها بيدها وهي تقول: ياخانم قستهم بالشبر والفتر ثلاث مرات. هي من اكتشفت أن ساقي اليمنى أطول من اليسرى بقليل، بكيت يومها وركي الضيق الذي لن يتمكن من اسكان جنين في يوم من الأيام، إحساسي يقول أنها كاذبة لكنها مصرة، لقد جاءت "لتمتين" جسدي وأنا ابنة ثلاثة أشهر، لكنها عصرت بيديها الجافتين قلب زبيدة خانم التي حافظت على ابتسامة مصطنعة وكحلة مائعة في حرارة آب الذي لا يرحم.
سوف تعبث زبيدة قليلا بوردة جاكيتها المطرز بخيوط ذهبية على الأكمام ثم تغادرغرفة نومها وهي تمسح دموعها على عجل .. إنها الآن تسرح في البساتين البعيدة وترقص مع شياطين الليل والماء
أمي لا أحبها كثيرا لكنني أشفق عليها من كلام الناس، حياتنا اليومية مباراة مستحيلة للفوز بقلب رجل واحد هو والدي ياسين، أغار من لون العسل في عينيها وأرغب في قتلها أحياناً لكنها تثير حسرتي عندما تنشج كطفلة بين ذراعي، أعطيها وسادتي لتضمها وتبكي بحرقة .. أمدد قدميها الجميلتين على سريرها الأبيض وأنثر الياسمين وشعرها الأحمر على الوسادة، ومن ثم أغلق عليها باب غرفتها بهدوء...
أمي في مكان ما هنا لكنني لا أستطيع رؤيتها بسبب هذا الظلام الشديد وهذا الألم الذي يمزق أحشائي .. آه لو أستطيع الصراخ ياعالم
أسموني روحية
رحمة الله واسعة، لقد تحررت من اسمي البشع الذي لطالما كرهته. أسموني روحية على اسم جدتي، لكنهم كفوا عن مناداتي به كرمى لعيون التي صرخت على قبر أمها أرجوكم لا أريد سماع هذا الاسم مجددا. يومها اكتفوا باسم جديد يليق بعذراء هو سلمى.
كان أبي يباغت سلمى من الخلف ويقذفها عاليا في الهواء، تنخر ضاحكة وهي ترفرف بساقها العرجاء لتتمكن من مداعبة النجوم والقمر، يقبلها في عينيها ويقول أنتي سمكة. لقد اقتنع أنها طفلته واعتبرها دليل فحولة بعد كل تلك السنوات العنينة ...أظنه استطاع أن يحمل كل هذاالحب في قلبه بعد أن رسمها في مخيلته صبيا جميلا بعضو مبتور أو حورية بحر بذيل سمكة، وتباً للساق العرجاء
على عكس زبيدة، حبه لي كان يزداد كلما ازدادت بثور وجهي انتشارا وكلما ازدادت مشيتي تأرجحا ...
هذا القلب الذي تراه الآن قذرا في التراب غسلته مرارا بصلوات الشيخة بديعة ، امسح الوحل عنه وشقه بخنجر، ولسوف ترى ياسين ما زال راقدا بداخله
أتأمل ظهره وهو يصلي العصر، استرق النظر إلى غرفة الضيوف فأرى رأسه بين يديه، سوف يقرأ مجددا "ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالاً فهدى" ومن ثم سينفجر من شدة التأثر ..
أتمنى أن أعرف ماذا كان اسمه قبل أن ينطق الشهادة ، يقولون أنه كان معتكفا في صومعة قبل أن يتزوج زبيدة التي حرمته أمه وإخوته السبعة إلى الأبد. إنه في مكان ما هنا لكنني لا أستطيع لمسه بيدي، أحس برطوبة خانقة وقد أبكي على صدره مجددا إذا مارأيته.. آه لو أستطيع البكاء يا بشر
قمر مدور
الصبي الذي كان يشد شعري ويعيرني بمشيتي العرجاء أصبح الآن يناديني خانم. سوف أبتلع ريقي لأنني أتحين تقبيله في فمه المستدير الذي يرسم داخلي دوائر حلزون لاتنتهي.
خالد أسمر وشعره مجعد لكنني أرغب بضمه إلى قلبي بشده، لا أعلم سر هذا الشبق لكن يبدو أنني ورثت عن أمي كره الفلاحين. أجذب أفكاري السوداء إلى الوراء وأستغفر الله كثيرا بعد أن أتذكر كلام الشيخة بديعة عن الحرام وأهله، لقد أخبرتني بضرورة المواظبة على الصلاة لأخطو بعرجتي هذه إلى الجنة
ابتسم وأنا أرى الشيخة بديعة تسلم على أمي بعد أن تغلف يدها بطرف شالها الطويل. إنها الآن تراقب جسدي الذي يطفح أنوثة. لابد أنها ستقنعني بضرورة الحجاب ولسوف تحدثني عن عورة المرأة وأستار العفة. أمي أيضا ستراقب شفاهي المكتنزة، لعلها تحدث نفسها بالآثار الجيدة للفلفل الأحمر الذي لطالما دهنت به فمي وأنا أستغيث بالعمياء
خالد الفلاح يقول أن شفتي قمر مدور وشعري المتمرد يثير جنونه. كلامه يعيد أفكاري السود إلى رأسي لكنني سأضع يدي على طرف ياقتي التي تصل حتى الذقن وأقول له تأدب ياولد. يحدثني في حرارة أنفاس النهار عن الحب وفي العتمة يخبرني عن عوالم الصبية المراهقين واللوعة. يتحسس صدري وهو يتذكر كلام إمام المسجد عن الكواعب اللواتي ينتظرن الرجال في الجنة. ..
هذا خالد يهيم في صحراء روحي العطشى إلى المحبة وها أنا أفقد توازني وأسقط في منامي على الأرض
سلمى خانم الآن مرتعشة والأرض فيها تدور .. لقد توقفت تلك النقاط الحمراء التي كان رحمي يقذفها في مواقيتها، والصبي الذي سلمته وجها ببثور وجسدا جميلا بساق طويلة وأخرى قصيرة اختفى في ليلة مقمرة مثل ليلة ميلادي .. دفعني في صدري وقال أنتي عاهرة مجنونة مثل أمك، أين سنهرب وكيف ستركضين بعرجتك هذه .. سوف أفقد توازني وأخبط على الأرض بقوة، ومن ثم ستأتي أمي وتجثو على ركبتيها وتقلب وجهي لتعرف من أنا .. سوف تضعني في حضنها وتدندن بحسرة وأنا أنظر إلى السماء بصمت ..


أنا متأكدة أن خالد في مكان ما لكنه بالطبع ليس هنا.. سوف أرغب بتقبيل فمه المستدير إذا ما رأيته رغم البرد ورائحة العفونة ورغم هذا الألم الذي يعتصر أحشائي .. آه لو أستطيع الأنين فقط
أنا القتيلة
ماحدث في ليلة من عام 1937 كان سريعا جدا لكن الفلاحين مازالوا يتحسرون ويترقبون أول ليالي سعد السعود بفزع شديد. لو نزعت بأظافرك طبقات الطلاء الكثيرة لرأيت طرطشات اللون الأحمر في كل مكان، هذا إذا كانت حيطان منزلنا الكبير ما زالت موجودة حتى الآن
الأب الذي أحببت اقترب مني وهو يائس وخجول في خريف العمر.. حضنته وبكيت على صدره فهمس في أذني بصوت مرتعش "مرمر زماني يازماني مرمر ... الله بلى ياسين بأم الشعر الأحمر"
سأركض بأرجحتي المعهودة إلى غرفتها لأرى بياض الياسمين وحمرة الدم يمتزجان على فراشها البارد كليلة عرسها .. الدنيا تتكسر تحتي وحياة جديدة صاخبة في بطني وزبيدة تلفظ أنفاسها الأخيرة..
كعادته سوف يباغتني من الخلف وأنا ساهمة، لكنه بدل أن يقذفني في الهواء هذه المرة سوف يضع مرفقه على رقبتي ويبقر بطني بسكينة المطبخ، فأنسدل كمنديل حريري وجسدي يقطر دماً .. سوف يقترب مني بكل وجهه ويتأملني للحظات وقطرات مالحة تتساقط على جرحي المفتوح.. لكم رغبت في تلك اللحظة أن أقول : ياسين لا تبكي أرجوك، دموعك تذبحني آلاف المرات
في العتمة تمنيت فقط لو أنهم أخرجوا الجنين من أحشائي قبل أن يدفنوني.. ياترى هل كتبوا على شاهدة قبري سلمى أم روحية؟
زبيدة في مكان ما هنا تحت التراب لكنني لا أستطيع رؤيتها بسبب هذا الظلام الشديد ، وهذه الخياطة السيئة في بطني تؤلمني وتشد على أطراف لحمي، وجنيني الضاغط على وركي الضيق يخنق أنفاسي .. آه لو أستطيع الصراخ ياعالم

مجنون جميلة

منذ أن جفلت الغزلان عن بحيرتي
وأنا أتلمس طريقي بين الجدران وأسعل
لست أعمى لأن عيوني مازال فيها شجن
ولست ميتا لأن روحي المتورمة ماتزال حبيسة
واقفة بقربه ولا أنتحب وأنا أقرأ ماكتب على طرف الشرشف، ورأسي الذي على وشك أن يصاب بالصداع يقول كفاك سذاجة هذه ليست بكلمات مجنون.
قصص الموت هنا كثيرة لكن قلبي سيخفق بشدة قبل أن أتمكن من إعادته إلى الحياة فجر هذا اليوم. في حجرة الصمت ذاتها سوف يغافلني ملاك الموت وأنا مغمضة العينين.. سينسل بخفة بين ردهات المنزل الواسع ويبحث عنه تحت الملاحف قبل أن يزعق أحدهم في منامي الطويل: إلحقي ياجميلة.. المجنون ربط رقبته بحزام وتدلى

اليوم سأقضي ساعات طويلة بعد أن ينام الجميع وأنا أتأمل يديه البيضاوين اللتين لاتشبهان كثيرا أيادي الرجال. أتمعن في تفاصيل هذا الموتود إلى جذع السرير الحديدي وأسأل نفسي هامسة لماذا تشتهي أمومتي احتضانه وهو يماثل والدي سناً أو يكاد. سيدتي العجوز تضع يدها على صدرها المزين بالعقود وتصيح بأسى "يا وحيدي يا جرجس لو أنهم قتلوك أيضاً.. أموت ولا أشوفك بهذا المنظر". أما نعمان الناطور فهو يجذبني من ياقة قميصي ويقول "تصوري يا جميلة.. كلاب البدو ذبحوا أطفاله الخمسة وزوجته"، ثم سيهمس في وجهي بفزع "صدقيني هذه جريمة ثأر ولا سرقة". سوف تصيبني رائحة فم نعمان بالدوخة لكن فحيحه سيختفي بين أصوات البقر والحمير وشجار "الفعالات" في موسم الحصاد

صدره يعلو وينخفض بتوتر وأنا خائفة من أن يستيقظ فجأة ويثب عن السرير باحثا عن عنق غريمه فأكون أنا الضحية. لقد حذرتني والدتي كثيراً من ملازمة المجانين وهي تغلف لي الرقى والتعاويذ وتضعها واحدة تحت إبطي وواحدة حول رقبتي وأنا أتململ. لعل الخطوط سترتسم على وجهي وأنا أتخيل أمي العاقلة ووجهها الذي ازداد حمرة حين تدربت جميلة على التمريض في مدرسة الراهبات، ولربما أصحو من سهوي فجأة وأرى الصليب حول رقبته والقيد في قدمه فتسري في جسدي رعشة الطمأنينة وأزفر.
غدا سوف يستفيق مجددا وهو يهذي مثل العائدين من الحروب، فأنهض من كرسيي على عجل وأفرغ في حلقه كأسا من العرق الممزوج باليانسون ليخمد مرة أخرى ويبدأ نباح الكلاب الضالة. سكان المنزل بمن فيهم أمه العجوز يترقبون موته بفارغ الصبر، لابد أنهم سينتحبون قليلا ويضعون العصابات السود على رؤوسهم، ومن ثم سيجمعون أسماله ويحرقوها مع بقايا الشرشف والوسادة في برميل مثقوب، وبالطبع لن ينسوا أن يشطفوا الحجرة ويرشوا ماء الزهر ويشعلوا البخور.. هكذا تسير جثته في جنازتها إلى مقلب الزبالة وهي راضية
أيها الراقد على سرير الهزائم والهلوسات، سأضع رأسك على حجري وأغني لك تحت ضوء القمر.. لن أهيل عليك التراب يوماً ولن أسمح لك أن تموت وتأتيني في المنامات

******************************
الدنيا حمراء وأنا أجلس عارياً أتفرج على لحم زوجتي المذبوح الذي لطالما اشتهيته، إنها الآن راقدة بطمأنينة ورائحة الدم لن تمنعني من عناقها كالعشاق. أبكي على نهدها البارد وأهمس في أذنها أنا من الشرق يا سيدتي ورأسي المطرق في الشوارع منذ سنين يطأطئ أكثر حين تشتهيكي الأجساد المنهكة، لكنها كعادتها ستدير وجهها ناحية الحائط وتكتفي بالصمت

أتحاشى النظر إلى الجهة الأخرى لأنني سأرى مابين صحوي وغفوتي جثة من حكيت لها قصص الحوريات وهي تجلس في حجري صغيرة. أخاف أن تفتح عينيها وتحذف عشر سنوات من عمرها وتأتي إلى مشبوكة الأصابع لنلعب سوياً دق الباب . أياحمقاء لو أنك سحبت يدك من يده وتذرعت بالقسمة والنصيب أو بعاهتك لما كنت مقتولة هنا و مثاراً للغصة كما أنت الآن. لطالما أخبرتك أن القصة تبدأ بعصفور وسمكة وتنتهي في عش على الشجرة، دعك مني فأنا مسليمة، ليس في رأس العصفور غلاصم وفي ظهر السمكة لا تبحثي فلن تجدي الأجنحة

منهمك أنا في النظر إلى فوضى الأشلاء التي صنعتها، أجذب أطراف زوجتي باشتهاء وأنا أحسبها حية، أجر جسد ابنتي إلى حجري وأحكي لها عن بلاد بعيدة. في ضوء النهار تأتي الملائكة وتقول "نحن أحبة حتى يثبت عكس ذلك"، أما في الليل فتأتي الشياطين ذاتها وتوشوش لي في العتمة أشياء عن نفسي لا أعرفها. رأسي مدفون بين ساقي والغرفة التي امتلأت بالأشباح لن يجرؤ أحد على اقتحامها، لكنهم في النهاية سيستجمعون أطراف شجاعتهم ويفتحوا الباب علي ليجدوني عارياً وشعري ملتصق على جلدي بدم ناشف يحمل زمرة من أحببت، وعلى رأسي تاج من ريش الدجاج وفي رقبتي عقود من الياسمين الذابل والخرز وعلب التنك الصغيرة. أضحك ضحكات هستيرية وهم يجرجروني على الدرج الخشبي، وأتقلب على الأرض مثل دودة ضخمة وأصيح بصوت يصم الآذان: دعوني فأنا لم أنته بعد من التلصص على الجثث