١١‏/١٢‏/٢٠٠٧

نور الهدى: كليوبترا لبنانية لاينقصها إلا التاج والعرش والحظ

مازلت إلى الآن ابتسم حين أتذكر وجه عمتي العجوز التي كانت تنظر إلى ثوبها المثير وكتفها العاري في أغنية ياجارة الوادي التي يعرضها برنامج "غداً نلتقي" وتقول "يخربيتك شو مشلطة". و"المشلطة" في اللهجة السورية تعني المرأة المستهترة أو الرخيصة، أما "المشلطة" بالنسبة لي فكانت لسنوات طويلة نور الهدى ذات الأداء الأسطوري والمقدرات الصوتية التي تصيبك بالدهشة. ولكونها المثال الأوضح على "ياما في الفن مظاليم"، فقد قررت اليوم أن أخصص هذه السطور لهذه "المشلطة".


في لبنان كانت تقفز فوق حواجز العادات والتقاليد، وفي مصر كانت تمشي على رؤوس أصابعها خوفاً من ألغام المنافسات. هذه هي درب الشوك التي زحفت فيها نور الهدى لمدة عشر سنوات وصولاً إلى عرش السينما المصرية الذي أبى إلا أن يتوج أحد الفراعنة. هي ألكسندرا بدران المولودة في تركيا لأب لبناني يعشق الطرب الأصيل من موشحات وأدوار. لم تتمكن من الغناء في لبنان لأن والدها رفض أن يترنح السكارى على حنجرة ابنته، فاتجهت إلى حلب لتتعرف على يوسف وهبي الذي حملها على هودج الفن أميرة أسطورية إلى مصر .


في القاهرة كانت نور الهدى صاروخاً فنياً يسير بسرعة الضوء واستطاعت ذات الوجه الحزين أن تحقق نجاحاً منقطع النظير في عشر سنوات، إلا أن بنادق الصيادين التي كانت تقف بالمرصاد للطيور المهاجرة من بلاد الشام أطلقت على نجاحها رصاصة النهاية. قد يقول أحد القائلين "حين عرفت الفشل لم تجد إلا الحسد وتوجيه اللوم لأقرب منافساتها أم كلثوم"، لكن الرسالة المفتوحة التي وجهتها نور الهدى إلى الرئيس عبد الناصر تدحض جميع الأقوال والأكاذيب بأنها كانت "دراما كوين" تشحذ تعاطف الجمهور، حيث كتبت في عام 1956 الى الرئيس المصري في رسالة تلقفتها وسائل الإعلام كصيد في الماء العكر حول العلاقة المميزة التي تجمع عبد الناصر مع كوكب الشرق "لماذا يا سيدي الرئيس يفرض عليّ أن أتوجه بكتاب إلى وزارة الداخلية في القاهرة لتوافق على منحي سمة الدخول إلى مصر؟". بالطبع لم يجلس عبد الناصر من فوره ليخط لها الرد أو لعله لم يرفع التلفون ليمنع عنها المنع ودخول مصر، فما كان منها إلا أن عادت حزينة إلى بيتها لتغلق عليها الباب وتصمت.


نور الهدى تجربة كلاسكية مغرقة في القدم وهنا مكمن ضعفها، إذ أنها لم تجد من يروي ظمأها للألحان العتيقة عندما صفقت القاهرة أبوابها في وجهها. ولعل توجه الرحابنة التحديثي والتجديدي في الموسيقي العربية لم يلبي طموحاتها فقررت أن تصمت وترفع لافتة مكتوب عليها "أقلعت عن الحلم".
الآن وبعد مرور 51 عاماً على صدور قرار التعتيم على أعمالها الفنية في مصر، أظنه حان الوقت لنفتح الباب وندع صوت نور الهدى يدخل إلى بيتنا ويجلس بيننا بعد أن وقف على بابنا طويلاً وبيده طلب استرحام.

0 تعليقات: