مئة عام من العزلة صارت حكاية قديمة بالنسبة لها، وسوف تتجرأ اليوم وتتصل بالراديو وتغير صوتها وتسأل الطبيب الضيف أسئلة محرجة على الهواء.. بعناد حقيقي ابتلع ريقي ولا أقول اخرسي فالسجن مازال يقف بيني وبينها.. أنا رجل مثل كل الرجال وسأحاول من اليوم أن أكون أكثر رومانسية. سوف أصحو في الليل وأشعل المصباح لأحفظ قصائد الدمشقي عن ظهر قلب وأنا أمسك بيدي أوراقي الثبوتية، وحتما لن أنسى أن أبصق على النص الإيدلوجي الملتزم قبل أن أعود واندس في الفراش .. لقد قررت من اليوم أن أقرض الشعر لأن كل العشاق العظام كانوا شعراء، وها أنا اليوم أكتب قصائد ممجوجة عن اللوز والتين وأتعلم في مدرسة الحب كيف يكون الحب حباً!! لكنك حين ستقرأين ماكتبت لن تفرحي ولن تصفقي بيديك الصغيرتين وتقولي كعادتك "جينيال"، مسموح لك فقط أن تتألمي وتبكي بأسف واضح حين ستفتحين دفتري العتيق لتنظري في الصفحة ذاتها حيث كتبت قصيدة سخيفة عنوانها "الحب المتسامي"
عند استدارة الخشب، في طرف السرير بالضبط، سأحاول أن أسرق أطفالي من رحمها في ليالي 1994 ولن أستمع إلى توسلات جسدي الذي لن يتوقف عن الارتجاف .. جلدي الموشى بالعلامات يفر مذعورا في كل اتجاه، ومليون جيفة معلق في إبهام قدمها كلمة "توتسي" تعرض على شبكات التلفزة العالمية، وأبوعمار على الميكرفون يخطب عن حق العودة والمرتكزات والثوابت الوطنية .. لربما انسحبت خجولا في تلك الليالي لأقرفص في زاوية قلبي وعلى عنقي قبلات محبطة، ولعلها أشاحت بنظرها نحو الحائط وهي ترغب كثيرا في أن تقول "أنت إنسان نكدي وغير رومانسي بالمرة"
كان لابد لسذاجة "النسوان" أن تطفو على السطح فتبدأ بأكياس الشاي على العيون وأقنعة الحليب على الوجه. وسوف تتحامق أكثر فتصيح بوجه أمي " ابنك يا خانم مهزوز ولازملو طبيب أعصاب شاطر" ... بعدها بشهور ستتحجب وتكسر زجاجات الويسكي في الحمام وتقرأ في كتب صوفية تحملها تحت إبطها. وإذا عزمت صديقاتها على فنجان قهوة سوف لن تتأثر وهي تخبرهم عن الذي سحبوه من فراشه قبل الفجر، وحين سأمسك يدها التي تعففت مؤخرا عن مصافحة الرجال سوف تفلتها من يدي في المطبخ وهي تقول لي و"هلأ شو المطلوب مني بالضبط؟؟"
كيف أصفعها و"صفناتها" الطويلة أمام محلات الدمى تطلق على رصاصات كثيرة في الوجه؟ وكيف أضمها ونظراتها تسحبني من شعري ذليلا لأباع في سوق الرجال بخمسة قروش؟ وكيف سيكون لنا أن نفترق وهي التي في هذه الليلة لن تفتعل المشاكل ولن تكلمني عن أصلي وفصلي وعن "خريجين الحبوس" والشيوعية.. سوف تطفئ النور وتتكوم بين ذراعي كحمامة مبلولة، ولسوف يأتيها في المنامات عصفوراً دورياً بحجم راحة اليد يزقزق في صباحاتها
المتطفلون قابلوني في الشارع وسألوني "عدم المؤاخذة، العيب منك ولا منها؟".. لعلهم لم يروا أصابعي تتمرن على فك أزرار البيجامة، ولربما لم ينصتوا للنشيج الصادر من الغرفة المستعصية على أحلامها.. هي وحدها صارت تراني كالنبات، وأحياناً أخرى جديرا بالإذلال، فمن ألبسها في رجلها حذاء السجان لتظن أنني بهيمة تستحق الرفس؟ وأنا الذي لو تعريت أمامها الآن فلن ترى صدري الذي تعلوه السنابل، سوف ترى فقط صحراء قاحلة وبعضا من التضاريس، لاهي حفر ولا أخاديد، بل ندوب متفرقة من حادث سياسة قديم
وأنا مستلق على قفاي كفارس كسيح رأسي لن يقول لي انعس، لكني حين سأتشقلب وأخبئ وجهي في مخدتي وأجد تحتها ورقة مكتوب فيها "أعطني خريطة شرايينك لعلي وجدت يوما الطريق إلى قلبك" سوف أتأبط جسدي ويرعف أنفي وتدوسني الأحذية
وعندما سترقدين أنتِ بقربي معتقدة أن الذي بقلبي ليس حبك، سيغافلني الهم ويجثم على صدري في العتمة، وسوف أستيقظ في الليل فزعاً فأحتضنك ولربما ينهكني البكاء فأغفو على بطنك

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق