لم أعرف وأنا جالسة أحصي خيباتي أن فمي هذا الذي لم تقبله إلا أمي سيكون عصياً على الكلام لهذه الدرجة... سأحفر بئرا عميقة داخل ظلام جسدي وأرمي فيها سرنا وانتظر لأسمع صوت الارتطام.. أنا اليوم باكية وأسأل نفسي أسئلة وجدانية عن هذا الرجل الذي يدعونه عريسي، هل يريدني حقاً؟ أنا اليوم أميرة ويحق لي أن أفرح مثل كل البنات .. لكنه في هذه الليلة لن يقول تعالي و لن أرفع عيني باتجاهه وأنا أفك شعري المصفف بالفكستور.. سوف يدخن وهو جالس يهز ركبته، وسوف أدخل الحمام لأخلع ثوب الزفاف الأبيض وأندس في الفراش قبل أن تأتي أمي في الصباح وتترك على فخذي قرصات وفي أذني كلمات ماجنة.
هو يعرف كيف يجادل وكيف يناقش وكيف يسفه من آراء الآخرين، وبعد أن يطردنا أبوه الذي كان يتحدث عن فضائل يوم الجمعة سوف يجذبني من يدي لنخرج ويلفحنا الهواء في الشارع.. "هذه السلطة الأبوية ماهي إلا نموذج للمجتمع الأكبر الذي يحكم اشتغال النسق العام " .. سوف ينظر إلي ويبتلع ريقه ويتابع .. "هذه السلطة الأبوية التي تفتحين عينيك للنور وأنت تحت حذائها تمارس علينا التدجين والإدماج لصنع أجساد تدمن المسايرة والمداهنة".. لعلي سأفهم من كلامه أن الدنيا ظالمة وأن كثيراً من الأشياء غير عادلة وغير إنسانية، وسوف أرتبك واتلعثم وأرغب في أن أقول له مثلاً "ربما ستمطر!!" ... قد أحكي له عن إعجابي الكبير بكلماته التي لا أفهم منها سوى القليل أو أن أعبر بشفتي عن أشياء تجعله يضمني أو يشتهيني.. كلمات مثل تلك التي تقولها الساقطات فينتهي الرجال في فراشهن... لكنني أنا التي بلا ساقين جميلتين وبلا صدر نافر سوف أطرق وجهي بأسى في الأسفلت الذي يذكرني برصيف قلبي الموحل، وسوف يشبك هو ذراعه بذراعي ونحن عائدين إلى البيت كزوجين سعيدين.
أكره هذا المساء الذي يسمعني على الباب طرطقة جسدها الهزيل.. سوف تأتي بشعرها المشدود إلى الوراء بقوس البلاستيك والبكل السوداء. وحين سيرحب بها ستنظر إلي وتمرر يدها على صدغها بطريقة مثيرة للشفقة وتقول بفحيحها المعتاد "كيفك مدام؟" .. هل يعرف أني أقرض لحم خدودي كلما جاءت هنا لتدخن معه وتفتح الكتب؟ لماذا يحرقني كالشمعة وأنا لم أفعل له شيئاً؟ أعرف بالضبط ماسيحدث لو فتحت عليهما الباب.. سيقول رفيقة عتيقة وقد قاست كثيراً، ولعلي سأكتفي بالصمت حين يصرخ في وجهي بيأس واضح "حاولي لمرة واحدة في حياتك تستوعبيني".
أمه ستأتي اليوم وتجلس بجانب التلفاز وتقص على مسامعي حكايا الدكتورة التي تفعل العجائب وأنا صامته. سوف تخبرني عن الحمل الذي تأخر بما فيه الكفاية وكيف أنها غير مستعدة للانتظار أكثر. هل سأقول لها أن الرجل الذي أنجبته ليس قادراً على التوحد لا معي ولا مع غيري؟ هل أحكي لها عن صهيل جسدي وعن رحمي الذي أنهكه الانتظار؟..
لن أنام الليلة، سأشبك يدي على صدري وأنتظر قلبي الذي سيعود قتيلاً على جواده .. وفي المنام سوف أقف عارية تحت السماء الحمراء بلون الدم وأتمنى شيئاً في هذا الكيس الذي في بطني.. نهودي المقطوعة ترتعش على أغصان التفاح والحبر الأحمر يفور من صدري كنبيذ الكروم.. وحين تمر الشهب المحترقة في السماء وعيوني ما زالت تتقيأ الدموع سأهب من فراشي لأمسك دفتره العتيق الذي يخط فيه هلوساته وأترك له على الحاشية:
كل شجر ماتحمل غصونو ثمر يزهي الحدايق
قطعوا أولى وتشتعل فيه الحرايق
قطعوا أولى وتشتعل فيه الحرايق
قالوا: ربك هو ملاذ كل يائس ولابد لك أن تدقي بابه، وكان الشيخ في الجامع يتربع في الطابق التحتاني والنسوة المتلفحات بالسواد يرسلن أسئلتهن بقصاصات الورق... ركضت كالمذعورة لأتوب.. لأجزع وأنا أتذكر أول يوم أفطرته وأول غُسل أجلته وأول صلاه تركتها... لعلي أنتحبت كثيرا وأنا أقرأ أشعار رابعة العدوية في العشق الإلهي .. كان حبها خالصا وهي تقول: ياطبيب القلب ياكل المنى ..... جد بوصل منك يشفي مهجتي
قد هجرت الخلق جميعاً أرتجي .... منك وصلاً فهل أقضي أمنيتي
لكن المسير خلف رابعة في العتمة كان صعبا، لأن الحب يحتاج إلى قلب، وقلبي أنا أكلته الديدان التي مرت على جيفتي المتحللة وأنا أنتظر.. هل أخمش الحيطان بأظافري وأنا أكتب اسم طفلي الذي أنتقي له كل يوم اسما جديدا؟؟ . شقوق المنزل تتكاثر كالجراد فوق جسدي الذي نهشته الرغبات وذراعي المشتاقتين لضم أي شيئ.. أراه في حضن أمي فأقبل أصابع أرجله الزهرية في اللفائف.. أسمعه يناغي ويبكي وحيدا في الشتاء فتشب في كبدي النيران وتحترق جدائلي .
بين ثلاثة أبواب هي الصمت والحرمان والهجران، سوف أنتقي واحداً وأنا مستعدة لمغامرة كبرى بحجم حسرتي.. سوف أسمع الموسيقى الأخيرة تناديني من الأعماق كما تسمعها أسماك السلمون، وسوف يحين الوقت لأمرر يدي على أشيائي الصغيرة ونحن نتوادع.. أحلامي التي في مخدتي، شرشفي الذي لم يتلوث بالبقع، وقلبي هذا الذي سأتركه أمانة في عنقه.
أنا الآن حرة بدون اشتياق لمواعيد الفراش الذي ننام فيه صامتين حتى الفجر .. قولوا له أني صفقت الأبواب من ورائي ولي بذمته كلمات حب وبضعة أحلام يجب أن يعيدها .. لا أعلم ماذا ابتعلت .. "سريع" أو غيره .. لايهم الآن ..
في الغرفة البيضاء أمي تزحف إلى جسدي المسجى لتبكي عليه بمرارة .. .. لحمي اسفنجة تمتص الرذاذ وعلي جلدي الملح وفي رأسي النشيج. وبين الساعة الواحدة والثالثة ظهراً سوف يطلق الجهاز الذي بجانبي بيب متواصلة وسوف يوجعني الفتق الذي في ظهري كثيرا قبل أن ينبت لي جناحات وأطير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق