المشهد الأول
أمي التي تتوجع من ركلاتي تروح جيئة وذهاباً في الممر المضاء باللمبة البرتقالية التي تشبه كثيرا لمبات السجون. أبي اضطررت للاعتقاد أنه نائم من شدة التعب، لأن تسعة أشهر وراء جدران الرحم أصابتني بالعمى فلم أستطع رؤيته يفترش الأرض "مسطولا" من شدة السكر. لسانها الذي في فمها لن يتخاذل ويقول استيقظ عند الساعة الرابعة فجرا بالتوقيت الشتوي، لذا واصلت نضالها المحموم بشجاعة حتى آخر قطرة عرق ودم. كان لابد لي أن أنزلق ذلك الصباح باتجاه كنبة الضيوف التي غطتها بمفرش المائدة، بشفاه زرق ووجه منتقع بماء الخلاص، مرتجفا ومثيرا للاشمئزاز كما هي الدنيا في عبوسها
أمي التي تتوجع من ركلاتي تروح جيئة وذهاباً في الممر المضاء باللمبة البرتقالية التي تشبه كثيرا لمبات السجون. أبي اضطررت للاعتقاد أنه نائم من شدة التعب، لأن تسعة أشهر وراء جدران الرحم أصابتني بالعمى فلم أستطع رؤيته يفترش الأرض "مسطولا" من شدة السكر. لسانها الذي في فمها لن يتخاذل ويقول استيقظ عند الساعة الرابعة فجرا بالتوقيت الشتوي، لذا واصلت نضالها المحموم بشجاعة حتى آخر قطرة عرق ودم. كان لابد لي أن أنزلق ذلك الصباح باتجاه كنبة الضيوف التي غطتها بمفرش المائدة، بشفاه زرق ووجه منتقع بماء الخلاص، مرتجفا ومثيرا للاشمئزاز كما هي الدنيا في عبوسها
المشهد الثاني
لا أستطيع أن أرى وجهها لأنها أجبرتني على الوقوف باتجاه الحائط بعد أن ناديتها ماما أمام الطلاب. محاولاتي المستميتة لرفع رجلي بعد مرور عشر دقائق تبوء بالفشل، فتتعالى ضحكات الأطفال وأسقط بالقرب من سلة المهملات المليئة بالأوراق الممزقة وبقايا سنتدويتشات الزعتر والبصاق اليوم سوف تتوسع دوائر الدمع في بحيرتي وسأغرق غافيا من شدة الإرهاق، هناك في مكاني المفضل تحت طاولة السفرة. في الصباح سيشمت الأولاد كثيرا إذا رأوني من دون شرائط ملونة على كتف الصدرية، وبعد أن يحاصر الصبيان الأشقياء ابن المديرة ويغنوا "قفز الأرنب خاف الأرنب" سأعود راكضا إلى المنزل لأفتح دفتري المغطى بورق كحلي وتجليد أبيض سميك وأكتب في الصفحة الأخيرة في المساحة البيضاء الناجية من لعبة الخمسات: ماما أنا أحبك كثيرا، لماذا لاتحبيني؟
لا أستطيع أن أرى وجهها لأنها أجبرتني على الوقوف باتجاه الحائط بعد أن ناديتها ماما أمام الطلاب. محاولاتي المستميتة لرفع رجلي بعد مرور عشر دقائق تبوء بالفشل، فتتعالى ضحكات الأطفال وأسقط بالقرب من سلة المهملات المليئة بالأوراق الممزقة وبقايا سنتدويتشات الزعتر والبصاق اليوم سوف تتوسع دوائر الدمع في بحيرتي وسأغرق غافيا من شدة الإرهاق، هناك في مكاني المفضل تحت طاولة السفرة. في الصباح سيشمت الأولاد كثيرا إذا رأوني من دون شرائط ملونة على كتف الصدرية، وبعد أن يحاصر الصبيان الأشقياء ابن المديرة ويغنوا "قفز الأرنب خاف الأرنب" سأعود راكضا إلى المنزل لأفتح دفتري المغطى بورق كحلي وتجليد أبيض سميك وأكتب في الصفحة الأخيرة في المساحة البيضاء الناجية من لعبة الخمسات: ماما أنا أحبك كثيرا، لماذا لاتحبيني؟
المشهد الثالث
حر فظيع يخنق الأنفاس وكراهيتي للعنف الذكوري لم تترك لي مجالا للاستمتاع بهذا المعسكر الجامعي. أمي واقفة هناك على السورغريبة بين الملاءات السود ووجوه النسوة الباكيات. قدماها متورمتان ولن ألحظ أنها أتت ماشية كل تلك المسافة بعد مشاجرة سريعة ويمين طلاق واحد وعبارة "بلطي البحر مافي سيارة". لم تقل حرفا ولم تذرف دمعا، بل حضنتي كصقرة ودفعت إلي بحقيبة ثقيلة تفوح برائحة الأرغفة. في المنامات أرى أنني أعود إلى تلك السبعة كيلومترات التي قطعتها سيرا على الأقدام فأشمشم آثار خطواتها كالكلاب.. أمسح حزنها من على الطرقات واحتضن الأشجار التي اتكأت عليها
حر فظيع يخنق الأنفاس وكراهيتي للعنف الذكوري لم تترك لي مجالا للاستمتاع بهذا المعسكر الجامعي. أمي واقفة هناك على السورغريبة بين الملاءات السود ووجوه النسوة الباكيات. قدماها متورمتان ولن ألحظ أنها أتت ماشية كل تلك المسافة بعد مشاجرة سريعة ويمين طلاق واحد وعبارة "بلطي البحر مافي سيارة". لم تقل حرفا ولم تذرف دمعا، بل حضنتي كصقرة ودفعت إلي بحقيبة ثقيلة تفوح برائحة الأرغفة. في المنامات أرى أنني أعود إلى تلك السبعة كيلومترات التي قطعتها سيرا على الأقدام فأشمشم آثار خطواتها كالكلاب.. أمسح حزنها من على الطرقات واحتضن الأشجار التي اتكأت عليها
المشهد الرابع
كان الوقت ليلا حين أتت به عمتي سميحة بعد ثلاث سنوات وأجلسته في غرفة الضيوف. أسمع طرقه على باب الغرفة فأترك الجثة التي أعتني بها وأخرج له وجهي وأقول بأسى "لاتريد أن تراك".. سوف يعود مرة أخرى ويجلس في المطبخ ليطرق رأسه وينتحب وسميحة تقبل أقدامه وتقول "أبوس رجليك يا أخي إنها تنازع".. .. سوف يمسح دموعه بأكمامه ويتهدج صوته وهو يقول: خلص مادام هيك بدها أنتِ طالق .. طالق.. طالق حل السكون وسكت الكون فنامي يا صقرة .. نامي وغطي في الأحلام، غدا تستيقظين وقد أصبحت حرة وبجناحين .. لم تعودي لامعلقة ولامطلقة ... سنعطيكي في المرة الأخرى رجلا آخر بقلب آخر فعلميه كيف يكون الحب حبا.. نامي الآن فلقد عشت عمرا ساذجا تعتقدين فيه أن هنالك محابس يضعونها في الأصابع تستحق كل ذلك التفاني
كان الوقت ليلا حين أتت به عمتي سميحة بعد ثلاث سنوات وأجلسته في غرفة الضيوف. أسمع طرقه على باب الغرفة فأترك الجثة التي أعتني بها وأخرج له وجهي وأقول بأسى "لاتريد أن تراك".. سوف يعود مرة أخرى ويجلس في المطبخ ليطرق رأسه وينتحب وسميحة تقبل أقدامه وتقول "أبوس رجليك يا أخي إنها تنازع".. .. سوف يمسح دموعه بأكمامه ويتهدج صوته وهو يقول: خلص مادام هيك بدها أنتِ طالق .. طالق.. طالق حل السكون وسكت الكون فنامي يا صقرة .. نامي وغطي في الأحلام، غدا تستيقظين وقد أصبحت حرة وبجناحين .. لم تعودي لامعلقة ولامطلقة ... سنعطيكي في المرة الأخرى رجلا آخر بقلب آخر فعلميه كيف يكون الحب حبا.. نامي الآن فلقد عشت عمرا ساذجا تعتقدين فيه أن هنالك محابس يضعونها في الأصابع تستحق كل ذلك التفاني
المشهد ماقبل الأخير
أمي التي تأبطت ذراع السرطان ومضت لم تلتفت وراءها. كانت مهزومة شر هزيمة، والخط الأحمر الذي تراه خلفها هو نزيف أحشائها المثخنة بجراح معركتها الأخيرة .. . أغلقت عليها باب القبر ونقشت الفاتحة واسمها على حجر الصوان وزحزحته بصعوبة ليستقر على قلبي
أمي التي تأبطت ذراع السرطان ومضت لم تلتفت وراءها. كانت مهزومة شر هزيمة، والخط الأحمر الذي تراه خلفها هو نزيف أحشائها المثخنة بجراح معركتها الأخيرة .. . أغلقت عليها باب القبر ونقشت الفاتحة واسمها على حجر الصوان وزحزحته بصعوبة ليستقر على قلبي
في الشهور الأولى لم استطع أن أغفو ودمي ينام وحيدا في العراء، إلا أن انقلاب الفصول جعلها في حياتي كالقمر تظهر في ليال وتختفي في أخريات
المشهد الأخير
شباكي مشرع للحياة والهواء يلعب بستائري الناعسة. أقلب الأيام برفقة التبغ وأنا أُخرج من الصندوق الخشبي صوراً قديمة لخريجات كلية التجارة سنة 1966، وميدالية ذهبية في بطولة الجمهورية المتحدة لريشة السيدات، وشهادة تقدير متأخرة من نقابة المعلمين، وقطعة ورق من دون عنوان مكتوب فيها: خالو العزيز، اليوم رجعت ماما عالبيت والبابا وعدها قدام عميمة سميحة أنو يبطل شرب كازوز أبيض.. أنا كتير فرحان وياريت ما تنسى الأتاري اللي وعدتني فيه إذا نجحت عالصف الرابع بتفوق.. سلاماتي وقبلاتي الحارة أطبعها على خد أحلى خال في العالم.. ملاحظة: أرجو منك يا خالو ما تحكي لحدى على قصة الكازوز لأنو ماما قالت هادا سر.. كان جاي عبالي هالسنة روح على نادي الكاراتيه بس حاسس إنو لازم خليها للصيفية أحسن، أنت شو رأيك؟
سوف أدفع بيدي حراب الذاكرة المصوبة إلى صدري وأنعس، لكن قبل أن أغفو تماما سوف يسقط القمر في فراشي ليلا من نافذتي المفتوحة فابتسم قبل أن أعانقه وأنام في حجره حتى الصباح
شباكي مشرع للحياة والهواء يلعب بستائري الناعسة. أقلب الأيام برفقة التبغ وأنا أُخرج من الصندوق الخشبي صوراً قديمة لخريجات كلية التجارة سنة 1966، وميدالية ذهبية في بطولة الجمهورية المتحدة لريشة السيدات، وشهادة تقدير متأخرة من نقابة المعلمين، وقطعة ورق من دون عنوان مكتوب فيها: خالو العزيز، اليوم رجعت ماما عالبيت والبابا وعدها قدام عميمة سميحة أنو يبطل شرب كازوز أبيض.. أنا كتير فرحان وياريت ما تنسى الأتاري اللي وعدتني فيه إذا نجحت عالصف الرابع بتفوق.. سلاماتي وقبلاتي الحارة أطبعها على خد أحلى خال في العالم.. ملاحظة: أرجو منك يا خالو ما تحكي لحدى على قصة الكازوز لأنو ماما قالت هادا سر.. كان جاي عبالي هالسنة روح على نادي الكاراتيه بس حاسس إنو لازم خليها للصيفية أحسن، أنت شو رأيك؟
سوف أدفع بيدي حراب الذاكرة المصوبة إلى صدري وأنعس، لكن قبل أن أغفو تماما سوف يسقط القمر في فراشي ليلا من نافذتي المفتوحة فابتسم قبل أن أعانقه وأنام في حجره حتى الصباح

0 تعليقات:
إرسال تعليق