٠١‏/١٢‏/٢٠٠٧

مجنون جميلة

منذ أن جفلت الغزلان عن بحيرتي
وأنا أتلمس طريقي بين الجدران وأسعل
لست أعمى لأن عيوني مازال فيها شجن
ولست ميتا لأن روحي المتورمة ماتزال حبيسة
واقفة بقربه ولا أنتحب وأنا أقرأ ماكتب على طرف الشرشف، ورأسي الذي على وشك أن يصاب بالصداع يقول كفاك سذاجة هذه ليست بكلمات مجنون.
قصص الموت هنا كثيرة لكن قلبي سيخفق بشدة قبل أن أتمكن من إعادته إلى الحياة فجر هذا اليوم. في حجرة الصمت ذاتها سوف يغافلني ملاك الموت وأنا مغمضة العينين.. سينسل بخفة بين ردهات المنزل الواسع ويبحث عنه تحت الملاحف قبل أن يزعق أحدهم في منامي الطويل: إلحقي ياجميلة.. المجنون ربط رقبته بحزام وتدلى

اليوم سأقضي ساعات طويلة بعد أن ينام الجميع وأنا أتأمل يديه البيضاوين اللتين لاتشبهان كثيرا أيادي الرجال. أتمعن في تفاصيل هذا الموتود إلى جذع السرير الحديدي وأسأل نفسي هامسة لماذا تشتهي أمومتي احتضانه وهو يماثل والدي سناً أو يكاد. سيدتي العجوز تضع يدها على صدرها المزين بالعقود وتصيح بأسى "يا وحيدي يا جرجس لو أنهم قتلوك أيضاً.. أموت ولا أشوفك بهذا المنظر". أما نعمان الناطور فهو يجذبني من ياقة قميصي ويقول "تصوري يا جميلة.. كلاب البدو ذبحوا أطفاله الخمسة وزوجته"، ثم سيهمس في وجهي بفزع "صدقيني هذه جريمة ثأر ولا سرقة". سوف تصيبني رائحة فم نعمان بالدوخة لكن فحيحه سيختفي بين أصوات البقر والحمير وشجار "الفعالات" في موسم الحصاد

صدره يعلو وينخفض بتوتر وأنا خائفة من أن يستيقظ فجأة ويثب عن السرير باحثا عن عنق غريمه فأكون أنا الضحية. لقد حذرتني والدتي كثيراً من ملازمة المجانين وهي تغلف لي الرقى والتعاويذ وتضعها واحدة تحت إبطي وواحدة حول رقبتي وأنا أتململ. لعل الخطوط سترتسم على وجهي وأنا أتخيل أمي العاقلة ووجهها الذي ازداد حمرة حين تدربت جميلة على التمريض في مدرسة الراهبات، ولربما أصحو من سهوي فجأة وأرى الصليب حول رقبته والقيد في قدمه فتسري في جسدي رعشة الطمأنينة وأزفر.
غدا سوف يستفيق مجددا وهو يهذي مثل العائدين من الحروب، فأنهض من كرسيي على عجل وأفرغ في حلقه كأسا من العرق الممزوج باليانسون ليخمد مرة أخرى ويبدأ نباح الكلاب الضالة. سكان المنزل بمن فيهم أمه العجوز يترقبون موته بفارغ الصبر، لابد أنهم سينتحبون قليلا ويضعون العصابات السود على رؤوسهم، ومن ثم سيجمعون أسماله ويحرقوها مع بقايا الشرشف والوسادة في برميل مثقوب، وبالطبع لن ينسوا أن يشطفوا الحجرة ويرشوا ماء الزهر ويشعلوا البخور.. هكذا تسير جثته في جنازتها إلى مقلب الزبالة وهي راضية
أيها الراقد على سرير الهزائم والهلوسات، سأضع رأسك على حجري وأغني لك تحت ضوء القمر.. لن أهيل عليك التراب يوماً ولن أسمح لك أن تموت وتأتيني في المنامات

******************************
الدنيا حمراء وأنا أجلس عارياً أتفرج على لحم زوجتي المذبوح الذي لطالما اشتهيته، إنها الآن راقدة بطمأنينة ورائحة الدم لن تمنعني من عناقها كالعشاق. أبكي على نهدها البارد وأهمس في أذنها أنا من الشرق يا سيدتي ورأسي المطرق في الشوارع منذ سنين يطأطئ أكثر حين تشتهيكي الأجساد المنهكة، لكنها كعادتها ستدير وجهها ناحية الحائط وتكتفي بالصمت

أتحاشى النظر إلى الجهة الأخرى لأنني سأرى مابين صحوي وغفوتي جثة من حكيت لها قصص الحوريات وهي تجلس في حجري صغيرة. أخاف أن تفتح عينيها وتحذف عشر سنوات من عمرها وتأتي إلى مشبوكة الأصابع لنلعب سوياً دق الباب . أياحمقاء لو أنك سحبت يدك من يده وتذرعت بالقسمة والنصيب أو بعاهتك لما كنت مقتولة هنا و مثاراً للغصة كما أنت الآن. لطالما أخبرتك أن القصة تبدأ بعصفور وسمكة وتنتهي في عش على الشجرة، دعك مني فأنا مسليمة، ليس في رأس العصفور غلاصم وفي ظهر السمكة لا تبحثي فلن تجدي الأجنحة

منهمك أنا في النظر إلى فوضى الأشلاء التي صنعتها، أجذب أطراف زوجتي باشتهاء وأنا أحسبها حية، أجر جسد ابنتي إلى حجري وأحكي لها عن بلاد بعيدة. في ضوء النهار تأتي الملائكة وتقول "نحن أحبة حتى يثبت عكس ذلك"، أما في الليل فتأتي الشياطين ذاتها وتوشوش لي في العتمة أشياء عن نفسي لا أعرفها. رأسي مدفون بين ساقي والغرفة التي امتلأت بالأشباح لن يجرؤ أحد على اقتحامها، لكنهم في النهاية سيستجمعون أطراف شجاعتهم ويفتحوا الباب علي ليجدوني عارياً وشعري ملتصق على جلدي بدم ناشف يحمل زمرة من أحببت، وعلى رأسي تاج من ريش الدجاج وفي رقبتي عقود من الياسمين الذابل والخرز وعلب التنك الصغيرة. أضحك ضحكات هستيرية وهم يجرجروني على الدرج الخشبي، وأتقلب على الأرض مثل دودة ضخمة وأصيح بصوت يصم الآذان: دعوني فأنا لم أنته بعد من التلصص على الجثث

ليست هناك تعليقات: