٠١‏/١٢‏/٢٠٠٧

أنا سلمى

وضعتني زبيدة وفي فمي ملعقة من ذهب ومازالت شفتاي إلى الآن تبحثان عن ثدي يلقمون به الأطفال الفقراء. أمي زبيدة خانم سيدة غريبة الأطوار ترتدي جاكيت الصوف في عز الصيف ، وتختفي عن أنظار أبي في بساتين الفلاحين الذين تحتقرهم كثيرا
وضعتني في ليلة مقمرة وهي ترتدي جاكيت الصوف ذاته، عرقها الغزير يسرح على سريرها الأبيض وهي تتلوى من الألم، إنها هادئة الآن وتنتحب بصمت، لا بد أنها عرفت أن رحمها لفظ أنثى
تدمع عينا جدتي الضريرة وهي تسمعني أعوي من الجوع مثل جرو صغير، ستصفق يدا بيد وتحوقل، ومن ثم تدعي عليها، فتركض خادمتي لتعصر في فمي بقايا صدرها الجاف. أرغب بالإمساك بهذا الثدي بأظافري، هل يمكنني أن أعصره أكوابا من الحليب والحب؟
أرغب في تقبيله بشدة، لكن يداي الصغيرتان لن تستطيعا الإمساك سوى بتطريزات الناموسية التي وضعها أبي على سريري، وذلك بعد أن أعوي قليلا كالكلاب وبعد أن يسقوني ماء الخشخاش ليخرس صوتي حتى الصباح
الداية أم النور كانت نذيرة شؤمي، شهقت شهقة خافتة ثم خبطت على صدرها بيدها وهي تقول: ياخانم قستهم بالشبر والفتر ثلاث مرات. هي من اكتشفت أن ساقي اليمنى أطول من اليسرى بقليل، بكيت يومها وركي الضيق الذي لن يتمكن من اسكان جنين في يوم من الأيام، إحساسي يقول أنها كاذبة لكنها مصرة، لقد جاءت "لتمتين" جسدي وأنا ابنة ثلاثة أشهر، لكنها عصرت بيديها الجافتين قلب زبيدة خانم التي حافظت على ابتسامة مصطنعة وكحلة مائعة في حرارة آب الذي لا يرحم.
سوف تعبث زبيدة قليلا بوردة جاكيتها المطرز بخيوط ذهبية على الأكمام ثم تغادرغرفة نومها وهي تمسح دموعها على عجل .. إنها الآن تسرح في البساتين البعيدة وترقص مع شياطين الليل والماء
أمي لا أحبها كثيرا لكنني أشفق عليها من كلام الناس، حياتنا اليومية مباراة مستحيلة للفوز بقلب رجل واحد هو والدي ياسين، أغار من لون العسل في عينيها وأرغب في قتلها أحياناً لكنها تثير حسرتي عندما تنشج كطفلة بين ذراعي، أعطيها وسادتي لتضمها وتبكي بحرقة .. أمدد قدميها الجميلتين على سريرها الأبيض وأنثر الياسمين وشعرها الأحمر على الوسادة، ومن ثم أغلق عليها باب غرفتها بهدوء...
أمي في مكان ما هنا لكنني لا أستطيع رؤيتها بسبب هذا الظلام الشديد وهذا الألم الذي يمزق أحشائي .. آه لو أستطيع الصراخ ياعالم
أسموني روحية
رحمة الله واسعة، لقد تحررت من اسمي البشع الذي لطالما كرهته. أسموني روحية على اسم جدتي، لكنهم كفوا عن مناداتي به كرمى لعيون التي صرخت على قبر أمها أرجوكم لا أريد سماع هذا الاسم مجددا. يومها اكتفوا باسم جديد يليق بعذراء هو سلمى.
كان أبي يباغت سلمى من الخلف ويقذفها عاليا في الهواء، تنخر ضاحكة وهي ترفرف بساقها العرجاء لتتمكن من مداعبة النجوم والقمر، يقبلها في عينيها ويقول أنتي سمكة. لقد اقتنع أنها طفلته واعتبرها دليل فحولة بعد كل تلك السنوات العنينة ...أظنه استطاع أن يحمل كل هذاالحب في قلبه بعد أن رسمها في مخيلته صبيا جميلا بعضو مبتور أو حورية بحر بذيل سمكة، وتباً للساق العرجاء
على عكس زبيدة، حبه لي كان يزداد كلما ازدادت بثور وجهي انتشارا وكلما ازدادت مشيتي تأرجحا ...
هذا القلب الذي تراه الآن قذرا في التراب غسلته مرارا بصلوات الشيخة بديعة ، امسح الوحل عنه وشقه بخنجر، ولسوف ترى ياسين ما زال راقدا بداخله
أتأمل ظهره وهو يصلي العصر، استرق النظر إلى غرفة الضيوف فأرى رأسه بين يديه، سوف يقرأ مجددا "ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالاً فهدى" ومن ثم سينفجر من شدة التأثر ..
أتمنى أن أعرف ماذا كان اسمه قبل أن ينطق الشهادة ، يقولون أنه كان معتكفا في صومعة قبل أن يتزوج زبيدة التي حرمته أمه وإخوته السبعة إلى الأبد. إنه في مكان ما هنا لكنني لا أستطيع لمسه بيدي، أحس برطوبة خانقة وقد أبكي على صدره مجددا إذا مارأيته.. آه لو أستطيع البكاء يا بشر
قمر مدور
الصبي الذي كان يشد شعري ويعيرني بمشيتي العرجاء أصبح الآن يناديني خانم. سوف أبتلع ريقي لأنني أتحين تقبيله في فمه المستدير الذي يرسم داخلي دوائر حلزون لاتنتهي.
خالد أسمر وشعره مجعد لكنني أرغب بضمه إلى قلبي بشده، لا أعلم سر هذا الشبق لكن يبدو أنني ورثت عن أمي كره الفلاحين. أجذب أفكاري السوداء إلى الوراء وأستغفر الله كثيرا بعد أن أتذكر كلام الشيخة بديعة عن الحرام وأهله، لقد أخبرتني بضرورة المواظبة على الصلاة لأخطو بعرجتي هذه إلى الجنة
ابتسم وأنا أرى الشيخة بديعة تسلم على أمي بعد أن تغلف يدها بطرف شالها الطويل. إنها الآن تراقب جسدي الذي يطفح أنوثة. لابد أنها ستقنعني بضرورة الحجاب ولسوف تحدثني عن عورة المرأة وأستار العفة. أمي أيضا ستراقب شفاهي المكتنزة، لعلها تحدث نفسها بالآثار الجيدة للفلفل الأحمر الذي لطالما دهنت به فمي وأنا أستغيث بالعمياء
خالد الفلاح يقول أن شفتي قمر مدور وشعري المتمرد يثير جنونه. كلامه يعيد أفكاري السود إلى رأسي لكنني سأضع يدي على طرف ياقتي التي تصل حتى الذقن وأقول له تأدب ياولد. يحدثني في حرارة أنفاس النهار عن الحب وفي العتمة يخبرني عن عوالم الصبية المراهقين واللوعة. يتحسس صدري وهو يتذكر كلام إمام المسجد عن الكواعب اللواتي ينتظرن الرجال في الجنة. ..
هذا خالد يهيم في صحراء روحي العطشى إلى المحبة وها أنا أفقد توازني وأسقط في منامي على الأرض
سلمى خانم الآن مرتعشة والأرض فيها تدور .. لقد توقفت تلك النقاط الحمراء التي كان رحمي يقذفها في مواقيتها، والصبي الذي سلمته وجها ببثور وجسدا جميلا بساق طويلة وأخرى قصيرة اختفى في ليلة مقمرة مثل ليلة ميلادي .. دفعني في صدري وقال أنتي عاهرة مجنونة مثل أمك، أين سنهرب وكيف ستركضين بعرجتك هذه .. سوف أفقد توازني وأخبط على الأرض بقوة، ومن ثم ستأتي أمي وتجثو على ركبتيها وتقلب وجهي لتعرف من أنا .. سوف تضعني في حضنها وتدندن بحسرة وأنا أنظر إلى السماء بصمت ..


أنا متأكدة أن خالد في مكان ما لكنه بالطبع ليس هنا.. سوف أرغب بتقبيل فمه المستدير إذا ما رأيته رغم البرد ورائحة العفونة ورغم هذا الألم الذي يعتصر أحشائي .. آه لو أستطيع الأنين فقط
أنا القتيلة
ماحدث في ليلة من عام 1937 كان سريعا جدا لكن الفلاحين مازالوا يتحسرون ويترقبون أول ليالي سعد السعود بفزع شديد. لو نزعت بأظافرك طبقات الطلاء الكثيرة لرأيت طرطشات اللون الأحمر في كل مكان، هذا إذا كانت حيطان منزلنا الكبير ما زالت موجودة حتى الآن
الأب الذي أحببت اقترب مني وهو يائس وخجول في خريف العمر.. حضنته وبكيت على صدره فهمس في أذني بصوت مرتعش "مرمر زماني يازماني مرمر ... الله بلى ياسين بأم الشعر الأحمر"
سأركض بأرجحتي المعهودة إلى غرفتها لأرى بياض الياسمين وحمرة الدم يمتزجان على فراشها البارد كليلة عرسها .. الدنيا تتكسر تحتي وحياة جديدة صاخبة في بطني وزبيدة تلفظ أنفاسها الأخيرة..
كعادته سوف يباغتني من الخلف وأنا ساهمة، لكنه بدل أن يقذفني في الهواء هذه المرة سوف يضع مرفقه على رقبتي ويبقر بطني بسكينة المطبخ، فأنسدل كمنديل حريري وجسدي يقطر دماً .. سوف يقترب مني بكل وجهه ويتأملني للحظات وقطرات مالحة تتساقط على جرحي المفتوح.. لكم رغبت في تلك اللحظة أن أقول : ياسين لا تبكي أرجوك، دموعك تذبحني آلاف المرات
في العتمة تمنيت فقط لو أنهم أخرجوا الجنين من أحشائي قبل أن يدفنوني.. ياترى هل كتبوا على شاهدة قبري سلمى أم روحية؟
زبيدة في مكان ما هنا تحت التراب لكنني لا أستطيع رؤيتها بسبب هذا الظلام الشديد ، وهذه الخياطة السيئة في بطني تؤلمني وتشد على أطراف لحمي، وجنيني الضاغط على وركي الضيق يخنق أنفاسي .. آه لو أستطيع الصراخ ياعالم

ليست هناك تعليقات: